محمد غازي عرابي

972

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

عليهم ، وجوهر الحوار أن موسى يدعو إلى فرز الفريقين ، وإلا لما كان ثم حكمة في خلق العالم نفسه ، والقضية واضحة ظاهرة عند النظر إلى الناس أنفسهم ، فلولا فرز المعقولات عن بعضها بعضا ، ولولا إيمان الإنسان الفطري وحسه الحدسي بالمعقولات لما سلم جدلا بوجود الخير والجمال والعدل والحق والعلم ، ولما طالب بها ونشدها وبحث عنها ، لكن الظالمون كثير ، وهم لا يعترفون بوجود هذه المعقولات وربها ، وهم يطغون في ميزان العدالة ، ولا يقيمون وزن الحق بالقسط ، وهذا دأب الأشقياء في الأرض منذ دحاها اللّه . لكن اللّه غالب على أمره ، وله الأمر من قبل ومن بعد ، فموسى طالب بقومه من المؤمنين ، لكن فرعون ممثل الأشقياء لم يؤته سؤله ، فكانت النتيجة أن الحق القاهر فوق فرعون قهره ، وفرز متشخصات المعقولات ، فظهر من الناس العالم والعارف والعابد والنبيل والكريم ، وظهر هؤلاء على الجاهلين السادرين في الغي والضلالة ، وتم تحقيق النصر لما التحق السعداء بعالم الأنوار ، في حين غرق الأشقياء في يم المادة التي علقوها ، وما بغوا عنها حولا . والعالق قلبه بالعالم المحسوس مخذول ، ذلك أن الموت له بالمرصاد ، وكل نفس ذائقة الموت . . . لكن شتان بين من يموت باللّه للّه فيبعث باللّه وللّه ويحيا الحياة الحقيقية ، وبين من يموت بنفسه الدنيوية التي هي من التراب وإليه . [ سورة الدخان ( 44 ) : آية 39 ] ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) [ الدخان : 39 ] الحق المذكور حقان ، الحق الإلهي وهو العلم والخلق ، والحق الطبعي وهو صفة من صفات الحق الإلهي ، وبه يقام الوزن ويوضع الميزان ، ولولا وجود المعادلات العلمية السابقة على الوجود العيني لما كان الوجود ولما استمر ودام ، فما رفعت قواعد من بيت إلا على أسس هندسية ، والبيت من غير هذه الأسس لا يقوم ، وإذا قام لا يلبث أن ينقض ، فالوجود موجود بالعلم وقائم به إلى يوم القيامة . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 40 إلى 59 ] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 ) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 41 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 42 ) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ ( 44 ) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ( 46 ) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ( 47 ) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 ) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ( 50 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 52 ) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ ( 53 ) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 ) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 56 ) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ( 59 )